الآلوسي
114
تفسير الآلوسي
عليهم من صلاة الليل فليتنبه وقوله تعالى : * ( عَلمَ أنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ) * استئناف مبين لحكمة أخرى غير ما تقدم من عسرة إحصاء تقدير الأوقات مقتضية للترخيص والتخفيف أي علم أن الشأن سيكون منكم مرضى * ( وَآخَرُونَ يَضرِبُونَ في الأرْضِ ) * يسافرون فيها للتجارة * ( يَبتغُونَ مِنْ فَضلِ اللَّهِ ) * وهو الربح وقد عمم ابتغاء الفضل لتحصيل العلم والجملة في موضع الحال * ( وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ في سبيل اللَّهِ ) * يعني المجاهدين وفي قرن المسافرين لابتغاء فضل الله تعالى بهم إشارة إلى أنهم نحوهم في الأجر أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في " شعب الإيمان " وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه قال ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل ألتمس من فضل الله تعالى وتلا هذه الآية : * ( وآخرون يضربون ) * الخ وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من جالب يجلب طعاماً إلى بلد من بلدان المسلمين فيبعيه لسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله والمراد أنه عز وجل علم أن سيكون من المؤمنين من يشق عليه القيام كما علم سبحانه عسر إحصاء تقدير الأوقات وإذا كان الأمر كما ذكر وتعاضدت مقتضيات الترخيص * ( فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) * أي من القرآن من غير تحمل المشاق * ( وَأقِيمُوا الصَّلَواةَ ) * أي المفروضة * ( وَآتُوا الزَّكاةَ ) * كذلك وعلى هذا أكثر المفسرين والظاهر أنهم عنوا بالصلاة المفروضة الصلوات الخمس وبالزكاة المفروضة أختها المعروفة واستشكل بأن السورة من أوائل ما نزل بمكة ولم تفرض الصلوات الخمس إلا بعد الإسراء والزكاة إنما فرضت بالمدينة وأجيب بأن الذاهب إلى ذلك يجعل هذه الآيات مدنية وقيل أن الزكاة فرضت بمكة من غير تعيين للأنصباء والذي فرض بالمدينة تعيين الأنصباء فيمكن أن يراد بالزكاة الزكاة المفروضة في الجملة فلا مانع عن كون الآيات مكية لكن يلتزم لكونها نزلت بعد الإسراء وحملها على صلاة الليل السابقة حيث كانت مفروضة ينافي الترخيص وقيل يجوز أن تكون الآية مما تأخر حكمه عن نزوله وليس بذاك * ( وَأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ) * أريد به الإنفاقات في سبل الخيرات أو أداء الزكاة على أحسن الوجوه وأنفعها للفقراء * ( وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ ) * أي خير كان مما ذكر ومما لم يذكر * ( تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأعْظَمَ أجْراً ) * أي من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت وخيراً ثاني مفعولي تجدوه وهو تأكيد لضمير تجدوه وإن كان بصورة المرفوع والمؤكد منصوب لأن هو يستعار لتأكيد المجرور والمنصوب كما ذكره الرضي أو ضمير فصل وإن لم يقع بين معرفتين فإن أفعل من في حكم المعرفة ولذا يمتنع من حرف التعريف كالعلم وجوز أبو البقاء البدلية من ضمير تجدوه ووهمه أبو حيان بأن الواجب عليها إياه وقرأ أبو السمال باللام العدوي وأبو السماك بالكاف الغنوي وأبو السميقع هو خير وأعظم برفعهما على الابتداء والخبر وجعل الجملة في موضع المفعول الثاني قال أبو زيد هي لغة بني تميم يرفعون ما بعد الفاصلة يقولون كان زيد هو العاقل بالرفع وعليه قول قيس بن ذريح : / جسم ] تحن إلى لبنى وأنت تركتها * وكنت عليها بالملا أنت أقدر فقد قال أبو عمر والجرمي أنشده سيبويه شاهداً للرفع والقوافي مرفوعة ويروى أقدرا * ( وَاسْتَغفِرُوا اللَّهَ ) * في كافة أحوالكم فإن الإنسان قلما يخلو مما يعد تفريطاً بالنسبة إليه وعد من ذلك الصوفية رؤية العابد عبادته قيل ولهذه الإشارة أمر بالاستغفار بعد الأوامر السابقة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقراض